writings> الاورجانون العربى

 التصدير

المقدمة

تصــديــر 

 إن اللحظة التى نعيشها الآن فى عالمنا العربى من المحيط إلى الخليج لحظة تاريخية دقيقة ربما لم نشهدها منذ لحظة الصدام الحضارى الأولى بالنهضة الغربية الحديثة مع قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر فى أواخر القرن الثامن عشر. وإذا كنا فى ذلك الوقت شعرنا بقمة الألم من تخلفنا وجمودنا الذى أكده فشلنا فى مواجهة تقدم القتنية الغربية فى الفكر والسلاح، فإننا اليوم وفى ظل ما يسمى خطأ بثورات الربيع العربى التى خطط لها الغرب وزكاها فى نفوس شعوبنا فى اللحظة التى شعرنا نحن فيها بضرورة التغيير والتحول من النظم الاستبدادية إلى النظام الديمقراطى الحقيقى، إننا اليوم نشعر بمدى المرارة مما يتكشف لنا يوما بعد آخر بأننا ضحية مؤامرة دولية كبرى تهدف إلى بث المزيد من عوامل الفرقة والتشرذم بين العرب شعوبا وحكومات. إن فرض الإرادة الغربية فيما يتعلق بما يسمى الشرق الأوسط الجديد بخريطته التى تستلزم تمزيق الدول العربية إربا إربا حتى تصبح دويلات صغيرة بلا جيش يحميها وبلا قدرات سياسية واقتصادية موحدة لم يعد ممكنا من خلال حركة استعمارية جديدة كالتى حدثت من قبل، ومن ثم يمكن أن يكون ممكنا من خلال هذا التدخل غير المباشر فى معظم الأحيان وتحت مظلة دولية يرعاها مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة التى تهيمن عليها هيمنة شبه كاملة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الغربيات. أقول إن هذه الدول التى تسعى بكل السبل الآن مستخدمة فى ذلك وسائل غير تقليدية إلى فرض إرادة التقسيم والشرذمة على دولنا العربية لصالح دولة الكيان الصهيونى المتمثل فى إسرائيل، إنما تمرر مخططها عبر ضرب العرب بعضهم بالبعض الآخر كقبائل وشيع، كأحزاب وفصائل دينية كانت أو غير دينية. إن المهم هو أن يتحارب العرب بعضهم مع البعض حتى يقضوا على ما تبقى من الإمكانيات العربية البشرية والاقتصادية على حد سواء. هذا ما حدث فى العراق الذى قسموه إلى سنة وشيعة وأكراد، وهذا نفسه ما حدث فى ليبيا ويحدث الآن فى سوريا. وكان المأمول أن يحدث فى مصر باعتبارها أكبر دولة عربية وصاحبة أقوى جيش. ولكن الله أراد ألا يحدث هذا فخرج الشعب المصرى عن بكرة أبيه يطالب بتغيير دولة الإخوان التى كانت رأس الحربة التى ستنفذ هذا المخطط الخبيث فى مصر، ولكن الله أراد ألا يحدث هذا حينما أيد الجيش مطالب الشعب وخرج على ما يسمى بالحاكم الشرعى ليؤكد على أن الشرعية الحقيقية هى الشعب؛ فالشعب الذى أعطى الفرصة لحاكم إخوانى وحكومة إخوانية هو نفسه الذى خرج بأعداد فاقت الثلاثين مليونا عدة مرات لخلع هذا الحاكم ويعزل هذه الحكومة التى كانت قاب قوسين أو أدنى من تقسيم مصر إلى دويلات وإمارات إسلامية صغيرة أو إلى مناطق نفوذ لبعض الدول العربية والغربية بحيث يكون عصب الاقتصاد المصرى فى يد دولٍ خارجية، ولا يكون للمصريين ولاية حقيقية على أرضهم ومن ثم على قرارهم بل وحتى لن يكونوا قادرين على التحكم وامتلاك ما يؤمن لهم قوت يومهم.

أقول شاءت إرادة الله أن يقف هذا المخطط الخبيث عند مصر ليتحطم بإرادة شعبها الأبى الخبير الذى يحمل تاريخا نضاليا عظيما وقف دائما أمام أى مخططات غربية خارجية لضياع العرب وفقدان هويتهم، وانكسرت على يديه قبلها الهجمات التتارية والصليبية.

ولما كانت هذه هى إرادة الله ألا يضيع العرب وألا ينكسروا بانكسار مصر وضياع جيشها رمز هيبتها ومناط عزها وقوتها، فقد أدرك المخلصون من أبناء الأمة العربية ذلك فوقفت المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات موقفهم الشهير برفض التدخل الغربى فى مصر والإعلان الصريح عن أنهم سيتكفلون بتقديم الدعم العربى لمصر بديلا عن أي دعم كانت تحصل عليه من أى دولة غربية أخرى بما فيها أمريكا ودول الاتحاد الأوربى. ولما كانت هذه هى إرادة الله فقد نجحت مصر وفى مدة قصيرة جدا فرض الاستقرار على أرضها وتطهيرها من الخونة والعملاء ومن كل من أتوا إليها قاصدين تفتيتها وكسر إرادتها القوية الموحدة، نجحت مصر شعبها وجيشها وقوة جهاز الشرطة الذى عادت إليه ثقته فى نفسه بعد أن كاد عصر الإخوان على قصره يقضى عليه وعلى هيبته ويشكك فى وطنيته زارعا الفتنة بينه وبين الشعب! لقد عادت مصر إلى لحمتها وقوتها الحقيقية. وحينما تعود الهيبة والقوة إلى مصر، تعود إلى مكانتها رائدة لأخواتها في العالم العربي.

ولما كانت هذه هى إرادة الله فقد أدرك مسيحيو مصر باختلاف طوائفهم أن مخطط حرق الكنائس المقصود منه هو إحداث الفتنة الطائفية على أرض الوطن، ومن ثم لم يعبأوا بحرق الكنائس ولا بسرقة محتوياتها ولا بمن قتل أثناء ذلك، ووقفوا إلى جانب اخوانهم المسلمين صفا واحدا ضد من يحرقون الكنائس والمساجد، وضد من يروعون الآمنين ويحرقون المنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة. فكانت تلك الوقفة الشجاعة للمسيحيين داخل مصر وخارجها، وووقفة الدول العربية الشجاعة وقفة تنم عن أن لحظة انهيار العروبة وضياع الوطن العربى لم تحن بعد، بل على العكس إنها اللحظة التى ربما ستكون أساسا لوحدتهم ولعودتهم إلى التاريخ والتأثير فيه مرة أخرى، ويعود إليها شقيقاتها أقوياء متحدين. والأمل معقود على ازدياد أواصر هذه الوحدة فى المستقبل القريب إن شاء الله.

وعود إلى بدء، أقول أن اللحظة التاريخية التى نعيشها فى عالمنا العربى الآن هى لحظة من لحظات الحسم التاريخى التى تلخصها العبارة الشكسبيرية الشهيرة "نكون أو لا نكون" ومن ثم فإن لحظة الأزمة وخاصة إذا كانت بهذا الحزم يمكن أن تقود أبناء الأمة إلى أزمة فكرية وأزمة هوية، بل وأزمة وجود. ولكى لا نقع فى أسر أى من هذه الأزمات، آثرت أن أشحذ ذاتى ومعى كل من يفكر ويتدبر لصالح أمتنا العربية، آثرت أن أتجه بتفكيرى نحو المستقبل لأنى أعتقد اعتقادا جازما أن التفكير فى المستقبل هو الذى يصنع تطور الحاضر وتقدمه إلى المستقبل، وعلى العكس مما يتصور البعض منا أن الحاضر هو نتاج الماضى، أتصور أن التفكير فى الحاضر من منظور الماضى هو الذى يوقفنا دائمًا "محلك سر". فإن كان الماضى القريب لا إنجاز فيه وليس محل رضا منا فما الذى يجعلنا نتخذه علة للمستقبل وتكئة له؛ إن المستقبل فى هذه الحالة لن يكون قابلا لأى تطور أو تقدم لأنه ببساطة لم يخطط أحد لوجود هذا التقدم أو لصنع هذا التطور.

إذن فالتفكير فى المستقبل وتأمل صورته المأمولة بآليات علمية وعقلية أصبحت متاحة فى ظل التطورات العلمية والفلسفية المعاصرة، هو السبيل لأن نصلح من حاضرنا ونصنع التطور فيه. فالحاضر إذن- فى اعتقادى- هو ابن المستقبل، وإذا كنا نريد أن يكون حاضرنا جيدا وناصعا فذلك لن يكون إلا بتأمل ماذا سيحدث فى المستقبل من تطورات حتى نخطط لحاضرنا ولمستقبلنا فى ظله؛ وهذه هى أهمية فلسفة المستقبل التى عنيت بها كثيرا منذ فترة ليست بالقصيرة. وهذا التفكير الدائم فى المستقبل هو ما كان يحضنى باستمرار إلى التفكير منذ فترة طويلة فى وضع آليات عقلية وعلمية محددة للنهوض فى المستقبل. وهذا ما حدا بى لأن أجعل التأمل فى فلسفة المستقبل وفى معرفة آفاقه وحدود ما سيصنعه الإنسان فيه من تطور لحياته أساسا لوضع ما أسميه فى كتابى هذا بالأورجانون العربى للقرن الحادى والعشرين، والأورجانون كما هو معلوم لدارسى تاريخ الفلسفة والمنطق هو من حيث اللفظ يعنى "الآلة أو الأداة" ومن حيث المعنى هو أسس وآليات يمكن أن نستخدمها لتغيير نمط تفكيرنا من النمط التقليدى الجامد إلى النمط المتجدد القادر على التفاعل مع كل جديد سواء كان من حيث مناهج التفكير أو من حيث أدوات الحياة والسلوك فيها.

إننا فى هذه اللحظة التاريخية محتاجون أكثر من أى وقت مضى إلى أورجانون جديد يكون بمثابة خارطة طريق للمستقبل ليس على مستوى الفكر فقط وإنما أيضا على مستوى التخطيط والعلم من أجل المستقبل الأفضل لأمتنا العربية. ولا يمكن لهذه الخارطة التى أتصورها أن تلقى قبولا إلا إذا سبقها إبراز للمثالب التى جعلتنا نفقد بوصلة تحقيق التقدم خلال أكثر من قرنين مضيا من عمر أمتنا العربية المديد؛ فرصد المثالب وبيان أوجه القصور والأوجاع والأمراض التى نعانى منها فكريا وعمليا  هو بداية الطريق للتخلص منها والانتقال إلى عصر جديد نحقق فيه التقدم ونصنع فيه من جديد مجدا لأمتنا هى تستحقه ونحن كذلك.

أيها القارئ العزيز، إننى لم أقصد بتقديم كتابى هذا إليك لأن أنتقدك أو أن أحبطك، بل هو أشبه بروشتة طبيب أطال تأمل أمراضنا العربية فعرفها وحاول أن يبرزها أمامك حتى تعمل بكل جد واجتهاد على التخلص منها ليس فقط على مستوى الأفراد وإنما أيضا على مستوى المجتمع والدولة. إننا كعرب مطالبين كأفراد وكشعوب وكدول أن نحسن الظن بما فى داخل هذا الكتاب حتى نتفاعل مع ما فيه من أفكار عامة بشأن المستقبل الإنساني عمومًا، وبشأن مستقبلنا العربى على وجه الخصوص؛ فالتفكير فى المستقبل العربى لا يمكن بحال أن ينفصل عن المستقبل العالمى. فكل تطور وتقدم يحققه أو سيحققه الإنسان الغربى نحن شركاء فيه منذ البداية، ومن ثم فعلينا أن نعود لنشارك فيه الآن. وهذه المشاركة فى ركب الحضارة العالمية لن تكون إلا إذا نجحنا بداية فى إدراك عيوبنا الفكرية والعملية ونجحنا ثانيًا فى مواجهتها والتغلب عليها ونجحنا ثالثا فى التفاعل مع ركائز النهوض المعاصرة التى حددتها داخل هذا الكتاب باعتبارها الركائز الأهم والأولى باهتمامنا ورعايتنا لنحقق من خلالها هذا الانتقال الذى نأمله لأنفسنا ولوطننا من عصر عانينا فيه كثيرا من عوامل التخلف والجمود إلى عصر جديد نحقق فيه الطفرة المأمولة للنهوض الحضارى المنشود. وهذا النهوض ليس بعيدا عنا الآن لأننا نعيش بالفعل لحظة فارقة فى التاريخ كشفت لنا عن أن قوتنا هى بالفعل فى وحدتنا، وعن أن قوتنا هى بالفعل فى قدرتنا على تطوير خطابنا السياسى والدينى والعمل بموجب هذا التطوير لتتغير حياتنا نحو الأفضل وحتى نعود بالفعل إلى عصر نكون فيه من رواد الحضارة البشرية الحديثة.

والآن إذا كنتم قد اقتنعتم معى بأهمية هذه اللحظة التاريخية الفارقة فى تاريخ أمتنا، فلتشاركوني هذه الرحلة فى تأمل المستقبل: ماذا سيكون؟! وفى تأمل خارطة طريقنا للمستقبل وكيف نعمل بالفعل إلى تحويلها إلى واقع نعيشه وإلى حياة نتمسك بأن نحققها لأنفسنا فنحن نستحق هذا وقادرون على تحقيقه، وأمتنا العربية تستحق هذا وقادرة بإذن الله وبجهود أبنائها على تحقيقه.

كل ما هنالك أنه ينبغى أن نشحذ همتنا ونقوى إرادتنا تجاه ضرورة تحقيق النهوض فى المستقبل. ونحن كما قلنا وأكرر قادرون على ذلك ونستطيع تحقيقه.

والله المستعان .. وعليه قصد السبيل.

د. مصطفى النشار

القاهرة - مدينة نصر فى

15 شوال 1434هـ/ 22 أغسطس 2013م



مقدمة

التفكير فى المستقبل ضرورة حياة

آفة من آفاتنا العربية فى العصر الحاضر أننا مشدودون باستمرار للتفكير فى الماضى سواء الماضى البعيد أو الماضى القريب. ولا شك أن ذلك ليس عيبا فى ذاته؛ فالتفكير فى الماضى ربما يكون دافعا لأن نعيش حاضرًا أفضل ونحلم بمستقبل أكثر رخاء وازدهارا ومن لا ماضى له لا حاضر ولا مستقبل له كما يقولون!! لكن الحقيقة أن التفكير بل والعيش فى الماضى أصبح السمة الغالبة على فكرنا المعاصر بشكل قد يبدو مرضيا حقا.

إن استعادة الماضى أصبح فى نظر الكثيرين منا هو الحلم الذى نحلم به. وأصبح هو الواقع الذى نتمنى أن نعيشه. وفى هذا يكمن الخطأ الكبير فى حياتنا المعاصرة؛ فليس معنى أن ماضينا حافل بالإنجازات الحضارية الهائلة التى حققها الأجداد سواء فى العصور الأولى للتاريخ الإنسانى حيث نجحوا فى صنع أولى الحضارات الكبرى فى التاريخ، أو فى العصور الإسلامية الزاهية التى نجحوا فيها أيضا فى استعادة الريادة الحضارية من جديد بفضل إيمانهم العميق بالدين الإسلامى وفهمهم الدقيق لدعوته إلى العلم والعمل بموجب إيمان قوى بالله لا يعرف حدودا للاجتهاد ولا يضع قيودا أمام أى إبداع فى أى مجال من مجالات الحياة. أقول ليس معنى أن أجدادنا قد حققوا تلك الريادة الحضارية أن نركن نحن إلى اجترار ما أنجزوه ونظل نتغنى به إلى مالا نهاية فيكون التغنى بأمجاد الماضى بديلا عن العيش فى الحاضر والتفكير فى المستقبل.

ولنتذكر دائما أن إنجازات هؤلاء الأجداد كانت بفضل جهدهم وفهمهم العميق لرسالة الإنسان فى الحياة.

لقد تحلوا بأكبر قدر من الصبر والشجاعة حينما حولوا كل الظروف الطبيعية والبيئية غير الملائمة لحياة الإنسان إلى ظروف تخدم الإنسان وإلى عوامل تساعدهم فى بناء حياتهم المدنية التى أسسوها لأول مرة على ضفاف النيل ونهرى دجلة والفرات. ولقد تحلوا بأكبر قدر من التحدى الحضارى لتلك الظروف غير المواتية بما أبدعوه من علوم تحدت الزمن وتحدوا بها الواقع بل واخترقوا بها حاجز المستقبل. ولا شك أن ما خلفوه لنا من شواهد حضارية من مبان عملاقة وآثار لا تزال تتحدى الزمن هو خير ما يؤكد أنهم إنما نجحوا فى اختراق حاجز الزمن والمستقبل، ولذلك صنعوا ما صنعوه آملين أن تراه الأجيال التالية جيلا بعد جيل وتندهش عقولهم أمام إنجازات هؤلاء الأجداد!!

ونفس الشئ فعله أجدادنا من المسلمين الأوائل أولئك الذين فهموا دينهم خير فهم وأدركوا أن إعجاز القرآن جاء من تحدى العقل الإنسانى وكمن فى دعوته إلى إعمال العقل واستخدام العلم إلى أقصى حد ممكن فانطلقوا يبنون فى كل مجالات الحياة، فمن إبداع العلوم الشرعية والدينية، إلى إبداعات شتى فى مختلف العلوم طبيعية كانت أو إنسانية، إلى إبداعات فنية وأدبية ومعمارية، إلى إبداعهم الأهم والأشمل وهو تلك الريادة الحضارية التى حققوها من خلال هذه الإبداعات الجزئية فكونوا تلك المنظومة الحضارية الفذة التى صدروها إلى العالم الغربى فى يسر وبساطة وبغير افتعال أو غرور.

إن تحدى ظروف الواقع هو ما يخلق الإبداع فى الحاضر ويصنع لدى الأمم والشعوب الحافز لاختراق حاجز الزمن والريادة فى المستقبل. ومن ثم فإنه إذا كان لنا بحق ماضى نزهو ونفتخر به، فليكن منه ذلك الزاد الذى نهضمه درسا يدفعنا لتفهم كيف يكون تحدى ظروف الواقع المعاش، وكيف يمكن استثمار كل الإمكانيات المتاحة لصنع الريادة والتقدم الآن وفى المستقبل.

وإذا نظرنا حولنا لنر كيف يصنع الرواد والمتقدمون فى هذا العصر ريادتهم وتقدمهم، فلن نجد لديهم إلا أمرين لا ثالث لهما: علم وعمل؛ تفوق علمى مطرد يدفعهم باستمرار إلى مزيد من تهيئة ظروف الإبداع العلمى فى مختلف ميادين العلم ثم استثمار لهذا الإبداع العلمى وتحويله إلى تكنولوجيا تحل مشكلات الواقع وتواجهها بكل حسم. ومن ثم تتحسن حياة الإنسان العربى عاما بعد عام وقرنا بعد قرن. واطراد هذا التقدم العلمى بشقيه النظرى والتطبيقى يستند على عقول لا يقف أمام إبداعها أى عوائق مادية كانت أو سياسية أو اجتماعية؛ فالكل هناك يدرك أن إبداع المفكرين والعلماء هو طريقهم إلى التقدم. ومن ثم فلا سلطة أيا كانت تحد من إبداع هؤلاء، بل كل الإمكانيات متوفرة لهم ولديهم بحيث لا يعودوا يفكرون إلا فيما يبحثون فيه وفى مكتشفاتهم الجديدة.

وتخرج نتائج هذه الأبحاث فى مختلف مجالات الفكر والعلم من عقول ومعامل أصحابها لتجد طريقها فورا إلى حياة الناس، فيتم على أساسها تطوير المصانع والمزارع وطرق الحياة المختلفة فيزداد إيمان الناس بأهمية العلم والتكنولوجيا فى تطوير حياتهم وتحسين ظروفها بل وحل كل المشكلات التى يعانون منها أيا كان حجمها ومجالها، على هذا تبدو سيمفونية التقدم؛ علماء ومفكرون يعملون ليل نهار على اكتشاف المزيد من الأفكار والنظريات العلمية الجديدة، وأناس يتلقون هذه الأفكار والنظريات ويحولونها إلى تكنولوجيا تيسر حياتهم وتحل مشكلاتهم فتندفع بهم الحياة دوما إلى مزيد من التطور والتقدم.

إن سيمفونية التقدم إذن تسير على رجل واحدة، وأنهم إنما يصنعونها من خلال تفكير يركز على بُعد واحد للتقدم هو التقدم العلمى- المادى. فبدأ المفكرون الغربيون يفكرون فى حل لهذه المعادلة الصعبة. فرفاهية الإنسان لا تكتمل بمجرد إشباع غرائزه المادية وتحسين ظروف حياته العملية فقط، فبدأوا يفكرون فى إعادة التوازن المفقود إلى حضارتهم التى غلب عليها المادية، بمزيد من الإصلاح الدينى والروحى والأخلاقى. ولما اكتشفوا أن زاد حضارتهم هو فى الغالب لا يتجاوز هذا الزاد المادى- التقنى فكروا فى إقامة الحوار مع الحضارات الأخرى وخاصة الشرقية منها باعتبار أنها حضارات روحية- أخلاقية فى الأساس. وعلى هذا النحو بدأت أفكار مثل "حوار الحضارات"، "حوار الأديان" "العولمة" تظهر على السطح. وكل ذلك كان ولا يزال من أجل بث روح جديدة لحضارتهم التى أوشكت على الانهيار بفعل تركيزها على التطرف فى الإشباع المادى.

وإذا تأملنا هذه الصورة للحضارة الغربية المتقدمة- الرائدة فى هذا العصر جيدا لوجدنا أن التفكير العلمى فى تجديد وتطوير الحاضر وتحسينه من أجل مستقبل أفضل هو سمتها الأساسية. ونحن لا نطالب إلا بأن نلتقط هذه السمة ونتأثر بها فى حياتنا وهى ليست سمة تتميز بها المجتمعات الغربية فقط، بل هى سمة كل شعب يريد أن يتقدم فبالتفكير العلمى فى مشكلات الحاضر والتوجه نحو المستقبل خطت شعوب شرقية عديدة خطوات رائدة نحو السيادة فى المستقبل مثل اليابانيين والصينيين والكوريين، بل والهنود والباكستانيون، بل وشعوب صغيرة العدد أصبحت كبيرة القدر والقيمة مثل شعب سنغافورة وشعب تايوان وهونج كونج.

إننا لسنا أقل من هذه الشعوب أملاً فى صنع الحياة الأفضل لأنفسنا وللآخرين، وكل ما ينقصنا هو امتلاك إرادة التقدم وأن يأتى الفعل مساوقا للإرادة ومكافئا لها. إن الإرادة بلا عمل لا شئ، إذ تبقى مجرد أحلام غير قابلة للتحقيق. وعمل بلا إدراك لإرادة التقدم وآلياته التى على رأسها التفكير العلمى القائم على التخطيط الواعى بمتطلبات المستقبل والقائم على الإمكانيات الفعلية الذاتية، إنما هو عمل غوغائى فوضوى لا يأتى بأى نتيجة مما ننشده ونطمح إلى تحقيقه.

إننا نملك من إمكانات التقدم البشرية والمادية ما لا تملكه هذه الشعوب، ونملك من الدافع الدينى والتاريخى ما ليس لدى هذه الشعوب. ومع ذلك نتقاعس عن استغلال كل هذه الإمكانيات المدفوعة بكل الدوافع الدينية والتاريخية ولا نزال نقف محلك سر!! وقد يقول قائل: كيف ذلك وحكوماتنا تملك خططا خمسية عديدة كلما انتهت إحداها بدأت فى تنفيذ الأخرى؟!

والحقيقة التى أود أن ألفت الانتباه إليها أن حديثى هنا ليس حديثا عن سياسات حكومية اقتصادية كانت أو اجتماعية، بل الحديث عن سيمفونية شاملة يتكامل فيها أثر العلماء والمفكرين بإبداعاتهم مع أداء الحكومة والشعب، كل فى ميدان عمله وتخصصه. إن إرادة التقدم لا ينبغى أن تقتصر على حكومة، بل ينبغى أن تكون إرادة الحكومة نابعة من إرادة الشعب، وإرادة الشعب لا يوقظها ويكسبها عناصرها إلا أداء المفكرين والعلماء والمثقفين عامة. إن النغمة السائدة ينبغى أن تكون هى نشيد التقدم: دوافعه وآلياته ونتائجه التى ستعود على الجميع بالمزيد من الرفاهية والطمأنينة والخير.

إن ما نلمسه من تناقض وعدم تناغم فى الأداء الحضارى لشعوبنا العربية وحكوماتها سر من أسرار تخلفنا، وعائق يعوق التقدم. وهذا التناقض نابع من انفصام الأقوال عن الأفعال؛ فنحن قد نفكر ونتحدث وندلى بالآراء الصائبة فى مجالات عديدة لكننا لا نحول هذه الأقوال والأفكار والآراء الصائبة إلى واقع نحياه. ومن ثم تتملك الشعوب اليأس من قادتها سواء كانوا من رجال الفكر والعلم أو من رجال السياسة والاقتصاد. وينعكس هذا على أداء الفرد العادى فيتملكه اليأس والإحباط فلا يعمل إلا بقدر ما يأخذ، ولا يستهدف فى عمله الإجادة والإبداع لأن البيئة التى يعيشها لا تدفعه إلى الإبداع ولا توفر له إمكانياته ودوافعه!!

ومن ثم يكون السؤال الكبير الذى يتملكنا التفكير فيه صباح- مساء- متى تبدو حياتنا فعلا جميلة وواقعنا أفضل مثل أقوالنا وأحلامنا؟! وتأتى الإجابة التى نعرفها أيضا من ديننا الحنيف "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم", ولا شك أن التغيير المطلوب فى حالتنا هذه إنما هو تغيير نمط التفكير السائد، من نمط يفكر محكوما بتقديس الماضى واجتراره، إلى نمط لا يفكر إلا فى المستقبل بشكل يتوافق فيه علمية التفكير مع الحفاظ على التوازن بين تحقيق مطالب الروح وتلبية حاجات الجسد. إنه التفكير فى المستقبل بعيون غربية وروح شرقية- دينية.